الخميس، 7 يوليو 2016

هل السعادة في الغناء والطرب ؟

فكم من شاب يظن أن السعادة بالطرب وسماع الأغاني ؟ وكم من شاب يظن أن أسعد السعداء هو المطرب الفلاني أو المغنية فلانة ؟
    ولعل أحد أسباب ذلك أنك في لقاءات عديدة مع المغنيين تجد الواحد منهم يقول : لقد اكتشفت نفسي فإذا بي أغرد بصوت حسن ثم شجعني الاصدقاء وتفتحت لي أبواب المهرجانات الغنائية وتكاثر المعجبون وزاد التصفيق والهتاف !!
    وحين يسمع بعض الشباب كلام هؤلاء يقولون : ياليت لنا مثل ما أُوتي هذا المغني وذاك .. وهكذا انخدعوا بالاضواء والصور والابتسامات !!
ولمن ظن أن الغناء طريق السعادة وأن المغنيين هم السعداء نهدي لـه هذا الاعترافات الصريحة لبعض المطربين المشهورين :
·   يقول أحد الدعاة :" إلتقيت بأحد المغنيين وقد عجبت لمّا رأيت في رأسه شعرات بيضاء وهو مازال في مقتبل العمر ، فقلت له : لماذا أنت قد ظهر في رأسك الشيب مع صغر سنك ؟ فقال المطرب : أقولها لك بصراحة : لقد ذهبت إلى الأطباء وسألتهم عن ذلك .. فكان جوابهم أن قالوا لي : إنك تواجه مشكلة نفسية وفي وضع قلق وعدم ارتياح .. أنت غير مقتنع بالوضع الذي أنت فيه.. " ثم قال هنا المطرب :" ياأخي بصراحة أنا غير مقتنع أنني خلقت لأكون مغنياً ولا لئن أصدع بكلمات الغزل أمام الناس فيطربون لها ويصفقون ، أشعر أنني خلقت لغير ذلك .. " عندها قال لـه الداعية :" ما دمت غير سعيد بذلك فما الذي جاء بك إلى هذا المجال ؟"قال :" لقد غفل عني والدي – رحمه الله – ولم يهتم بي ولم أرى منه نصيحة أو إرشاداً ..فمرت بي الأيام ودخلت في عالم الغناء ووجدت نفسي محُاطاً بصداقات وعلاقات وارتباطات وشهرة وسمعة .."ثم قال المطرب بلسان حزين:"لو أنني أدركت الأمر منذ البداية لرأيت غير ذلك... " .
·   ومطرب آخر أشتهر على مستوى دول الخليج والدول العربية قال في لقاء صحفي في جريدة محلية :" لو كان الأمر بيدي لتركت الغناء والفن منذ زمن طويل وكثيراً ما فكرت في الاعتزال تماماً ، فأنا شخصياً لا أحب الغناء ".
·        وقال آخر في لقاء مع مجلة وافدة :" نصيحتي لهم ألا يغرقوا أنفسهم بالغناء ..فلا يمكن أن تكون حياتنا كلها غناء " .
·   وممن ذاع صيته عالمياً المغني " كات ستيفن " ، كانت تباع لـه الاسطوانات بالملايين ، وجماهيره حشود هائلة ، والصحف لاتنقطع عن كيل المديح لـه وعرض صوره قائماً وقاعداً وعلى جنبه .
ومع ذلك يعترف في لقاء صحفي أنه كان يبقى الليالي يبكي من ضيقة في نفسه ، وكان يعلم أن الغناء والطرب ليسا سبيل السعادة فقرر اعتزال الغناء فكان لـه ذلك ، ثم شرح الله صدره للإسلام وسمى نفسه " يوسف إسلام " وافتتح المدارس الإسلامية الكبرى في بريطانيا .. وهكذا بعد أن كان مُغنياً لا رسالة له، صار داعية كبيراً من أنصار الله ورسوله.

·   وقـفـة أخيرة : لقد بين العلماء أن الغناء والطرب سعادة ولذة مؤقتة لكنهم قالوا إنها تفسد قلب المؤمن وتعكر عليه مزاجه وتنفره من القرآن ، ولذا أغلب من يعشق الأغاني تجده يهجر القرآن وينفر من مجالس الوعظ ولذا قرروا أن قلب المؤمن لا يجتمع فيه مزامير الشيطان وكلام الرحمن .  

هل السعادة في اللهو واللعب ؟

يتوهم بعض الشباب أن السعادة لا تكون إلا بالإغراق باللهو واللعب ، ولذلك صور عديدة منها الشائعة ومنها النادرة .. نذكر منها :
1 – ممازحة الأصحاب .
      فقمة السعادة لدى بعض الشباب أن يجد قرناء في فصله أو في ميدان عمله يشاركهم المزاح القولي والفعلي البريء منه والفاحش .
2 – الألعاب الرياضية والتشجيع .
ففوج كبير من الشباب يرى أن السعادة الكبرى هي في متابعة أخبار نجوم الرياضة العالميين ، ومزاولة لعب كرة القدم وهذه السعادة تتجاوز بهم عن القيام بالواجبات الشرعية فمن أجل اللعب تُضيع الصلوات ، ومن أجلها يتم تجاهل كل ما هو جاد ومفيد .
·   وكم من شاب تراه يسابق إلى الصف الأول في مدرجات الملاعب ، لكنه لايكاد يدرك الركعة الأخيرة من صلاة الجمعة.
·   وكم من شاب يصفق ويطبل ويصفر لفوز فريقه ، ويحزن ويبكي وتتفطر كبده لخسرانه ، لكنه متبلد الإحساس عن قضايا الأمة ومآسيها .
·   وكم من شاب يقضي الساعات الطوال في لعب البلوت والشطرنج ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة في فنون هذه الألعاب إلا أحصاها وتعرف عليها .. بينما يشحُ بالدقائق على أن يبذلها في خدمة الإسلام والمسلمين وفي إقامة شعائر الدين .
3 – " التفحيط " والمجازفة بالتهور بالسيارات .
      فتجد شاباً منتهى طموحه أن يحصل على سيارة ، وما إن يتمكن من ذلك وتتوفر لـه إلا ويجعلها مطية للعبث والتهور والسباق والتمرد على رجال المرور .. يقول أحد هؤلاء : " خرجت يوماً للدوران في الأحياء وبينما أنا كذلك رايت سيارة مسرعة فلحقتها وتجاوزتها ففهم السائق الآخر أنني أتحداه فزاد من سرعته فسبقني وبينما نحن في قمة المنافسة خرجنا من مدينتنا وقطعنا ما يقارب الأربعمائة كيلو في سباق ساخن جداً .!!" .
      ولا شك أن قطعهما لكل هذه المسافة إنما كان بحثاً عن الفوز بالسعادة ومن طريف ما ذكر أن شباباً كانت سعادتهم اليومية هي في الذهاب والإياب في أحد الشوارع مرة يذهبون إلى آخره ومرة يرجعون إلى أوله حتى سُمي الشارع بشارع  " المسعى " – وأين العصى من السيف ؟ قيل : وحتى لاينقطع ذهابهم وإيابهم المستمر بسبب العطش اجتمع هؤلاء الشباب وجمعوا مبلغاً وقاموا بشراء وتركيب ماكينة لتبريد الماء ووضعوها في طرف رصيف هذا الشارع !! وكل ذلك في سبيل دوام سعادتهم بالدوران بسياراتهم .
* ومن الشباب من لايجد السعادة إلا بارتقاء الرمال والمجازفة بالنزول من أعلى التلال الرملية أو السير على زاوية صعبة قد تنتهي بانقلاب السيارة وتحطمها أو إلحاق الأذى بأنفسهم والجماهير من حولهم !!
* وقفات مع هذه السعادة الموهومة .
أولاً : اعترافات كبار الرياضيين بأن السعادة ليست بالرياضة .
1 - اللاعب " عبدالله عبدربه " يقول : عرفتني الجماهير ، وكتبت عني الصحف والمجلات ، وبدأت أشق طريقي نحو الشهرة .. إلا أني في الوقت نفسه كنت أشعر بالاكتئاب والقلق ولا أدري ما السبب ؟ " وقال  :" ظللت على هذه الحال عدة سنوات ، فبدأت أشعر بشيء من الملل وأعاني من فراغ نفسي قاتل ، وأحسست بأنني بحاجة شديدة إلى شيء ما أملأ به هذا الفراغ الذي كنت أعانيه ففكرت في ترك الكرة والابتعاد عن الاجواء الرياضية .. ولزمت بيتي فترة من الزمن .. " .
      وبعدما تعرف على بعض الصالحين وعاش مع كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام قال : أحسست بسعادة عظيمة تغمرني لا أستطيع لها وصفاً وندمت على أيام خلت قضيتها بعيداً عن خالقي – عز وجل .." .
2 -  ويقول مدرب سباحة بعدما أسلم :" أذهب للصلاة فأجد متعة كبيرة في السجود لله كما أنني أصبحت أُحس باطمئنان نفسي كبير "وقال :" لقد كانت حياتي السابقة ضرباً من الفوضى وعدم النظام فضلاًعن ضياع القيم والأخلاق والمثل.."
ثانياً:  أحوال كبار نجوم الرياضة .
        لو كانت السعادة في مزاولة الرياضة فحسب ، لما بحث كبار نجوم الرياضة عن متع أخرى ، ولما اعتزلوا هذه الرياضة بعد حين ، وواقع الحال أن هؤلاء الرياضيين     لا يجدون السعادة في هذا الميدان فيهرعون إلى تخبط هنا وهناك ليجدوا السعادة فمنهم من يُخطئ الطريق ومنهم من يصيب..ومن صور ذلك:
1-  ماردونا : نجم رياضي عالمي بلغت شهرته الآفاق ، وانتهى أمره إلى معاقرة المخدرات وإدمان السهرات الحمراء .
2-  بيليه ومحمد علي كلاي : يعتزلان عالم الرياضة ويبتعدان عن شقاء الرياضة وتعاسة اللاعبين .. وغيرهما الكثير .
ثالثاُ:  أحوال المشجعين على المدرجات .
      إن الناظر لأحوالهم لا يجد إلا الأعصاب المتوترة والعيون الناظرة بل إن بعضهم يتعاطى المهدئات ويشعر بالخفقان وعند خسارة فريقه يبكي بكاء الطفل الصغير وكأنما فقد أحد والديه !! ومن جهة أخرى : اللاعب قد يكسب لياقة جسمية وعافية لصحته من خلال اللعب والتدريب ، ولكن الجماهير الغفيرة لا تلعب ولا تتحرك !!
وقد يسعد البعض لفوز فريقه ، ولكنه لا يلبث أياماً إلا ويخسر هذا الفريق في مبارة أخرى فينقلب الفرح إلى حزن وترح . ولذا يقال لهؤلاء : فأين السعادة في هذه الأجواء المتقلبة ؟؟
رابعاً: أحوال المفحطين والمتهورين .
      يظن البعض أن التهور في قيادة السيارة والمجازفة بالتفحيط وارتقاء الرمال كلها سبل لبلوغ السعادة وذلك نتيجة لما يرون من تصفيق المعجبين وتردد أسمائهم في مجالس المراهقين ، ولما يجدون من الابتسامات والهدايا وما خفي كان أعظم !!
·   هذا أبو خالد ( وهو من المفحطين المشهورين ممن خاض غمار التفحيط وسبر أغواره حتى أتعب رجال المرور وأتعبوه ) يقول : رسبت سنتين متتاليتين في السنة الأولى من المرحلة الثانوية بسبب الهروب المستمر من المدرسة .. وقال : " وفي تلك السنة كانت ظاهرة التفحيط قد بلغت أوج قوتها وانتشارها ، فتعلمت التفحيط على أيدي جلساء السوء " وقال:" وأنا حين أذكر التفحيط ، أذكر مايجر إليه من مشكلات ومصائب ، مخدرات ، سرقات ، فواحش ، فكما أن الخمر أم الخبائث فالتفحيط هو أبوها " .
هذا " المفحط " كان المعجبون يعطونه السيارات الرياضية والفاخرة ليستعرض بها ، وكانت تنثر عليه الأموال كعطايا وهدايا من أبناء المترفين ومع ذلك كله يقول :" لم أجد السعادة التي كنت أبحث عنها ، كنت ابتسم وأضحك في نهاري ، وفي الليل أبكي وأحزن على واقعي الأليم " . وقال :" كنت أشعر أن بداخلي منادياً يناديني يقول :" هذه ليست رسالتك في الحياة " وأخيراً يؤكد فينادي قائلاً :" ياشباب الإسلام لن تجدوا السعادة في التفحيط ".
·        وقـفـة أخيرة ..
لا عجب أن يبحث الكفار عن السعادة في ميادين اللهو والعبث ، فإن حياتهم كحياة الأنعام بل هم أضل وقد بين الله أن شعارهم في دنياهم هو( إنما الحياة الدنيا لعب ولـهو وزينة ) أما أبناء الإسلام فإن نظرتهم للحياة تختلف ، ورسالتهم في هذه الدنيا أكبر من مجرد إشباع الشهوات بأنواعها يقول تبارك وتعالى )اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ – أي الزراع -نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الأخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ( (الحديد:20)
ثم يقول تعالى )سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(     (الحديد:21) .

ولو كانت السعادة الحقيقية عند المسلم هي اللهو والعبث ماحذر الله من هذه الحال ولما وبخ أهل النار على عبثهم في دنياهم قال تعالى )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ( (المؤمنون:115) .


الشباب ..والبحث عن السعادة.

ما أكثر الشباب الذين سلكوا سبلا عديدة من أجل هدف واحد وهو تحصيل ’’ السعادة’’ وفي نهاية المطاف اكتشفوا أن سعادتهم كانت سراباً بقيعة يحسبه الظمأنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً ..وعندها علموا أنهم سقطوا في مهاوي الخديعة. و تذكروا قول الأول:
هـي النفس إن أنت سـامحتها     رمت بك في مهاوي الخديعـة
          فـلا تعـبـأن بميعـادهــا       فميعادهـا كسـراب بقيعـة
ويأتي السؤال المهم : أين هي السعادة الحقيقية ؟
إذا وضعنا السعادة تحت مجهر الكتاب والسنة وكلام أطباء القلوب وجدنا أن السعادة إنما تكون بالطاعات والباقيات الصالحات  يقول الله تبارك تعالى ) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( (النحل:97) .
فالسعادة هي بالعمل الصالح على تقوى من الله وإيمان هذا هو سر السعادة الذي خفيَّ على كثير من المسلمين والكفار بعامه .. يقول إبن القيم رحمة الله :" وحول هذه الحياة يُدندنُ الناس كُلهُمْ و كُلهُمْ قد أخطى الطريق إليها وسلك طريقاً لاتفضي إليها بل تقطعهُ عنها إلا أقل القليل فدار في طلبها الكل وحُرم منها أكثرهم " .والسبب أنهم لم يأتوا البيوت من أبوابها .
ويقول رحمه الله :" ولكن يغلط الجفاةُ الأجلاف في مسمى الحياة [أي السعيدة] حيثُ يظنونها التنعم في أنواع المآكل والملابس والمناكح أو لذة الرئاسة والمال وقهر الأعداء ولاريب أن هذه لذة مشتركة مع البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تُشاركُهُُ فيها السباع والدوابُ والبهائم فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد".
أما السعادة الحقيقية : فهي السعادة الشرعية ألتي يهبها الله للصالحين فتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم وتزول غمومهم وهمومهم  ,جزاءاً من ربك عطاءاً حساباً . .
والمؤمن بهذه السعادة يتغلب على القلق والضنك ويصبر معها على المصائب والبلايا , فهي سعادة دائمة من وجهين :
الأول :دوامها في السراء والضراء .
الثاني:امتدادها بعد الحياة إلى حياة البرزخ والآخرة . "
قال ابن القيم رحمه الله : "ولاتظن أن قوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم " مختص بيوم المعاد فقط , بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة" يريد في الدنيا والبرزخ والآخرة .
وبالطبع أولئك الذين يعيشون السعادة الوهمية لايصدقون هذه الكلمات المضيئة ويظنون أنها خيال بل مُحال وهذا من زيغهم ، يقول ابن القيم رحمة الله :" إنما يُصدقُ بهذه الأمور من كان في قلبه حياة وأما ميتُ القلب فإنه يوحشك ثم فاستئنس بغيبته ما أمكنك فإنه لايوحشك إلا حضوره عندك " .
وأنظر إلى شيخ الإسلام ابن تيميه وهو يحاول وصف سعادته بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله  يقول رحمه الله :" فإن اللذة والفرحةُ والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لايمكنُ التعبيرُ عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتوحيده وانفتاح الحقائق الايمانية والمعارف القرآنية "
ويقول أحد السلف وهو يستشعر لذة الطاعات : "إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذاً في عيش طيب " .


الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

يا أبيض ..يا أسود

من الأشخاص من يصرون على أن المقترحات والأفكار والمنتوجات و...كل شيء في الحياة يجب أن تحاكم بصورة شديدة العقلانية بحسب الميزات الكامنة فيها،وحسب قيمتها، عندها نحصل على حقيقتها المطلقة بكل حياد.
هؤلاء الأشخاص الذين يفكرون بهذه الطريقة يرون العالم بمنظور الأبيض والأسود فقط.
ماذا عن العواطف والأحاسيس والولاءات والمجاملات لا اعتبار لها عند هؤلاء الأشخاصن بينما هي أمور لا يمكن عزلها عن حياة البشر.
هذه النظرة المثالية غير الواقعية تجعل أصحابها يتصادمون مع الآخرين ويخوضون معارك مع الناس في كل شيء، فالناس يرحبون بقدر معقول من التزلف والتنازلات التي يفرضها عقد الاتفاقات.
والحقيقة هنا هي أن هؤلاء الأشخاص يدافعون عن المثاليات دفاعاً لا يعرف الكلل ما دامت هذه المثاليات هي مثالياتهم ( وهذا يعني أن شخصية الفرد من هؤلاء تتعصب لرأيها، وتعتبر أن العواطف والولاءات الشخصية أخطاء قاتلة..)
وبسبب هذه النظرة المثالية تجد أن نقد هؤلاء مدمر للروح المعنوية للكثيرين ممن يعملون معهم وغالباً تجد الجميع يشعرون بالاستياء والغضب من تقييم مثالي لا يمكن أن يوجد في كل أعمال البشر.
علاقة الإنسان بالناس ينبغي ألا تكون بنظرة مثالية وألا يصنف فريق منهم بالأبيض والفريق الآخر بالأسود..
إن الناس معقدون بطبعهم تحكمهم ظلال عديدة من اللون الرمادي، وإن علاقاتنا مع بعضنا البعض تشمل بالضرورة دقائق وفروقات لا يمكن إدراكها عبر التفكير وفق مقياس متابين، وقد تتولد نتائج خطيرة عن تفكير كهذا. فالناس شديدو الحساسية لدى إصدار الأحكام عليهم، وما قد يعتبر أسود عندك غيرك يراه أبيض ولذلك هو يقبله.

إن قيام حوار بشأن الاختلافات وتقبل قدر معين من اختلاف الآخرين عنك هما ما يجعل بالإمكان إقامة علاقات قوية وصحيحة مع الآخرين ،وإذا لجأت إلى أسلوب شديد التباين لتقييم الزملاء والأصدقاء والمعارف وشريك الحياة فلا تتعجب إذا تحولوا سريعاً من أصدقاء ومعارف الماضي!! وعلى أقل تقدير سيصبحون أكثر حذراً لدى وجودك وأكثر ابتعاداً عنك . 

السبت، 31 أكتوبر 2015

توقف..لا تتعاون معه !!

خلق الله الناس ما بين محب لنفسه معتزل لغيره وما بين محب للجماعة متعاون معها ،فأما من اعتزل الناس فلم ينفعهم بشيء فقد عصى الله في أوامر شرعية كثيرة كنشر العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على المحتاج..
 وقد يلقى الشخص بسبب اختلاطه بالناس أذى ولكن بالصبر والحلم يجد عند الله  الثواب والأجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) رواه أحمد  ،وأما الذين  يخالطون الناس ويتعاونون معهم فإن الله يحدّ حدوداً لهذا التعاون فليس المطلوب التعاون مع الآخرين على كل حال بل قال الله تعالى في محكم كتابه : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) قال المفسرون في هذه الآية :يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر , وترك المنكرات وهو التقوى وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) فقال : هو أن تعمل به وتدعو إليه وتعين فيه وتدل عليه . و في هذه الآية ينهى الله عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم .
وقال العلماء : فهو أيضا يقتضي التحذير من الشر وعدم التعاون مع أهل الشر، فلا تعين أخاك على ما يغضب الله عليه، ولا تعينه على أي معصية بل تنصح له في تركها وتحذره من شرورها، وهذا من البر والتقوى. وإذا أعنته على المعصية وسهلت له سبيلها كنت ممن تعاون معه على الإثم والعدوان، سواء كانت المعصية عملية أو قولية كالتهاون بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو حج البيت أو بعقوق الوالدين أو أحدهما أو بقطيعة الرحم أو بحلق اللحى أو بإسبال الثياب أو بالكذب والغيبة والنميمة أو السباب واللعن أو بغير هذا من أنواع المعاصي القولية والفعلية، ويدخل في الإثم جميع المعاصي.
 أما العدوان فهو التعدي لحدود الله والتعدي على الناس أو التعدي على ما فرض الله بالزيادة أو النقص، والبدعة من العدوان لأنها زيادة على ما شرع الله، فيسمى المبتدع متعديا والظالم للناس متعديا والتارك لما أنزل الله آثما متعديا لأمر الله، فاقتراف المعاصي إثم، والتعدي على ما فرض الله والزيادة على ما فرض الله والظلم لعباد الله عدوان منهي عنه وداخل في الإثم..
صور من التعاون المحظور:
الله تعالى ينهى فيقول :( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وتجد من الناس من يتعاون مع زملاء وظيفته في غش الدولة في تحضير الغائبين وانتداب القاعدين وهكذا الطلاب يتعاونون مع قرناء الدراسة على الغش في الاختبارات وقد قال الله تعالى عن المؤمنين أن من صفاتهم أنهم راعون للأمانة التي بين أيديهم قال تعالى (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من غشنا فليس منا) أي ليس على أخلاق الإسلام التي ربانا الشرع عليها.
وتجد من أصحاب الشركات من ييسر للناس الربا والسفر إلى مواقع الفجور والزنا أو يوفر لعامة الناس المطاعم المحرمة كالدخان أو يسوق لهم الصور والأغاني والأفلام المحرمة  وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة  : ( لا يجوز لمسلم أن يعمل في بنك تعامله بالربا ، ولو كان العمل الذي يتولاه ذلك المسلم غير ربوي ؛ لتوفيره لموظفيه الذين يعملون في الربويات ما يحتاجونه ويستعينون به على أعمالهم الربوية .
ومن ذلك تصنيع الخمور والمسكرات وتوفيرها للمدمنين فعنِ ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لُعِنَتِ الخَمْرُ على عشَرة وجوه: لُعِنَتِ الخمر لعيْنِها، وشاربِها، وساقِيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصِرِها، ومعتَصِرها، وحاملها، والمحمولةِ إليه، وآكِل ثَمنِها))؛ رواه الإمام أحمد، وابْنُ ماجه، وأبو داود، ولفْظُه: ((لَعَنَ اللَّهُ الخَمر)) - ولم يذكر: ((وآكل ثمنها)).
ومن دل على حرام أو يسر للناس الإثم فإن عليه وزره و وز من عمل بسيئته قال النبي  - صلى الله عليه وسلم -:  (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من إتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا . )
 والمطلوب هو ما أمر الله به : (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ) [الانعام 120]

ذاك ما نهى الله عنه وهذا ما أمر الله به فعلينا أن نسمع ونطيع ونستجيب وهذا من كمال الإيمان ومن تحقيق العبودية لله سبحانه.

الجمعة، 30 أكتوبر 2015

قالوا عن الخلاف الشخصي.

في كثير من الأحيان تذيع وسائل الإعلام أخبار الخلافات والخصومات سواء بين الأفراد أو الدول ، مما جعل الناس  يربطون كلمة الخلاف بالعنف السياسي السلبي والذي يؤدي عادةً إلى الاقتتال المرير بين الدول أو الطوائف . والمتأمل لواقعه القريب يجد أن الخلاف البسيط يظهر بصفة يومية في حياته الشخصية أو مع المقربين - فمثلا – قد يختلف مع بعض أعضاء الأسرة ، الأصدقاء ، مديره في العمل ، أو حتى الموظفين تحت سلطته، وهذا الخلاف إما أن يُحل وينتهي بصورة سلسة. أو يرتقي مستواه إلى خلاف حاد يصعب حله إلا بعد جهود مضنية ووقت طويل .
وكما أن الخلاف قد يكون محموداً أحياناً ، فإنه يصبح مذموماً في الغالب لأنه لا يؤدي إلى نتائج إيجابية وبناءة ، بل يؤدي إلى نتائج سلبية عكسية.                                 
* قالوا عن الخلاف الشخصي .
* يقع الخلاف الشخصي عندما يكون هناك طرفان أو أكثر يتعارضون في مواقفهم أو أساليبهم في التعامل مع موقف أو موضوع أو شخص معين.
* والخلاف الشخصي أمر طبيعي جبلّي لابد من حدوثه بين البشر مهما كانت الظروف والأساليب المتبعة لتفاديه، ، قال الله تعالى : ( ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) هود 118،قال ابن كثير :( أي ولا يزال الخلاف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم،وقال عكرمة : مختلفين في الهدى.. جاء عن طاوس : أن رجلين اختصما إليه فأكثرا الخلاف في الآية، فقال طاوس : لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة..ولذا فالخلاف يبقى أمراً عادياً إلا إذا خرج عن نطاق العقلانية وغُلبت الأهواء على الحق ، وتضمن عدم الاكتراث بأولويات وأهداف كل طرف بالطرف الأخر .
* والخلاف الشخصي قد يكون مقنعاً فيأخذ شكل الاستياء من قبل إنسان تم تجاوزه, كما يأخذ شكل الغضب الذي تتسبب فيه العادات الشخصية للشخص, ومثل هذا الخلاف من السهل أن يخفى على البعض, ومن الصعب اكتشافه.
* والخلافات الشخصية قد تكون سلبية إذا لم يتم التعامل معها بعناية واهتمام, وفي النهاية قد تكلف الوقت والمال بل و الصحة والفكر.
 * وأياً كان نوع أو مكان الخلاف, فلا بد من إدارته قبل أن يتحول إلى قوة هدامة،ومعظم المؤسسات والأفراد يدركون ضرورة حل الخلافات الشخصية قبل أن تتفاقم ويكون لها تأثير مدمر.

* الخلاف حدث طبيعي لعلاقة شخص بشخص يختلفان عن بعضهما، ومن المفيد أن تكون هذه الخلافات تحت مظلة الخلاف الإيجابي للحصول على ترجيح الرأي الصائب، ورضاء الطرفين على النتيجة بعد الخلاف بترجيح الحكمة وثقة كل شخص بالآخر.

الخوف من المناصب !!

هل سمعت بـ (رهاب المرتفعات)، هو أن يشعر الشخص بالخوف من الوقوف في الأماكن المرتفعة..
ومن الناس من يشعر بالخوف والهلع إذا وكل إليه منصب رفيع ، والمشترك بين الأمرين أن كلاً من الفئتين تشعر أنها لا تستطيع التوازن مع موقعها في هذه المرتفعات.
أما الخوف من المناصب العليا فسببه عدم تقدير الذات فالأشخاص الذين لا يثقون بأنفسهم ولا يُقدرون مؤهلاتهم وخبراتهم يتصرفون بطريقة مترددة خائفة تؤدي في الغالب إلى تراجع ثقة غيرهم بهم فيعادون بعد حين إلى مراتب متدنية..
إن هذه العادة (عدم تقدير الذات) تُلحق الأذى بطموحات الشخص المهنية..والعلاج أن لا يجعل هذا الخوف يتسرب إلى حُسن الأداء والسلوك الشخصي فيتأثر سلبا عمله الوظيفي.
قد يكون في الشخص نقاط ضعف لكن بالضرورة لديه نقاط قوة فإن كانت المهمة المطلوبة تتناسب مع نقاط القوة فالمبادرة لتحمل المسئولية وقبول التكليف بالمنصب الجديد وذلك هو الطريق للنجاح والتفوق.
وهذا ينطبق على الخوف من عقد صداقة مع ( شخص أعلى من مستوى الآخرين).
وكيف تتجاوز هذا الآفة ؟
لا بد من مراقبة الذات فإن كنت تشعر بعدم الأمان عند تلقيك أي فرصة كبرى أو تحس بالدونية أو يقتلك القلق إذا أوكل إليك أمر كهذا..فكل ذلك يعني أنك مصاب بهذا الرهاب بلا شك وهذه الأحاسيس تقول لك : ( أنت لست خبيراً في مثل هذا) أو ( لست كفؤاً لهذا)..
وعلاج ذلك أن تحدد بكل مصداقية ما تملكه من علم وماتتقنه من مهارة،وما اكتسبته من خبرات..بعدها تجيب هل كل ذلك يؤهلك لهذه المهمة ولهذا المنصب دون مدح للذات وأيضاً دون قدح وتحقير لها، وقد يساعدك صديق مقرب على إتخاذ قرار في هذا الأمر.
وقد تجد بعد مراجعة حيادية عادلة أنه بالفعل هذه المهمة التي عُرضت عليك لا تتناسب مع مؤهلاتك وليس لديك أي خبرة بها ، فمن الإنصاف لنفسك أن تبتعد عنها ولا تقبلها.