وفي ظلال الشرع الحكيم يمكنُ للإنسان الطاهر ، أن يسمو بإحساسه ، ويعلو بميوله إلى تاج العفة ، وتحقيقُ ذلك يرجعُ إلى أسباب وعوامل عديدة منها :
أولاً : تقوية الإيمان .
فأعظم عاصم من مقارفة الفواحش ، وأكبرُ رادع عن الوقوع في المحرمات ، أن يقوي العبد إيمانه بالله عز وجل ، وذلك لا يكون إلا باستشعار عظمة الله ، كما قال أحدُ السلف : " لاتنظر إلى صغر المعصية ولكن أنظر إلى عظمة من عصيت " ، وبدوام ملاحظةِ رقابة الله ، قيل لأحد السلف : كيف نعفُ البصر عن الحرام ؟ قال : " عِلمُك بأن نظر الله إليك أسبقُ من نظركَ إلى ما حَرمَ عليك " . قال تعالى :(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " (غافر:19) .
ثانياً : الاستجابة لله ورسوله .
قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " (لأنفال: من الآية24) . ولااستجابة إلا باتباع أحكام الشرع ، والتشريعاتُ كلُها تصِلُ بالعبد إلى العفةِ والتقوى .. ومنها :
1- غضُ البصر عن الأجنبيات .
قال تعالى:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ"(النور: من الآية30).
2- حفظ السمع عن المحرمات ، فالأذن تعشقُ قبل العين أحياناً ، فأما الرجل فيُمنع من سماع الحرام ، من الأغاني والمعازف والطرب ، ومهاتفة الفتيات التي يخضعن في القول ، قال تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ " ( لقمان :6 ) . وقال صلى الله عليه وسلم : " ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف " .
وأما المرأة فلا يجوز لها الخضوع في القول أمام الأجانب قال تعالى: ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً" (الأحزاب: من الآية32) .
3- حفظ الفرج عن الوقوع في الحرام .
قال تعالى : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ "(الأنعام: من الآية151) ، وقال تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " (الإسراء:32) . ويلحظ المتأمل أن الله نهى عن القربان ولم يقل ولاتفعلوا الفواحش إذاً فكل وسيلة توصل إلى الزنا أو اللواط أو العادة السيئة يجب تجنبها والبعد عنها.
4- عدمُ مُلامسةِ النساء .
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو أخشى الناس ما صافحَ امرأةً قط وقال صلى الله عليه وسلم : " إني لا أصافح النساء " رواه الترمذي وصححه الألباني . ومادام المُصافحة ممنوعة ، فما تجاوزها أبلغ في المنع .
5- النهي عن الخلوة بالمرأة الأجنبية .
ففي الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما " . وثبت في الصحيحين قول صلى الله عليه وسلم :" إياكم والدخول على النساء ، قيل يارسول الله : أفرأيت الحمو ؟ قال : الحمو الموت " .
6- عدم الاختلاط مع النساء في أسواقهن .
وذلك قطعاً لدابر الغواية بين الرجال والنساء وقد قال صلى الله عليه وسلم : "ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء"رواه البخاري وغيره .
7- تجنب مجالس الكلام الفاحش .
فيبتعد الشاب التقي عن مجالس الذين لا يتحدثون إلا عن عورات المسلمات وأحوال الفاجرات .
8- إقامة الحدِ الشرعي .
وذلك على الزاني والزانية وفاعلِ جريمةِ قوم لوط . قال تعالى :+الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ " (النور: من الآية2) .
وقالصلى الله عليه وسلم:"ملعونٌ من عمل بعمل قوم لوط"صحيح الجامع(5867) .
وكل هذه الأحكام الشرعية ، تحفظ القلب ، وفي تجاوزها وتعديها أثرٌ خبيث على القلب قد يؤدي إلى الفاحشة .
ثالثاً : التربية على العفة .
وذلك يكون بأمور عديدة منها :
1- التربية على عُمق الصلة بالله وتزكية النفس .
فيربي الآباء أبناءهم وبناتهم على ذلك ، ويجاهدُ الإنسانُ نفسه على مراعاة ذلك واستشعاره ، وتأمل قوله تعالى:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ"(العنكبوت: من الآية45) . فيُربي هؤلاء على الصبر عن معصية الله ، وعلى الخوف من تعدي حدوده ويربون على طلب مرضاته سبحانه وتعالى ، وعندها ليس إلا العفاف في حياتهم .
2- التنشئة على العفاف .
فيُربي الصغار على الحياء وعدم كشف العورات وعدم الدخول على النساء إلا بعد استئذان ، ويُعظم كُلٌ ذلك في قلوبهم ، وحري بنا أن نسرد القصص والحوادث لأهل العفاف ، ونبين انتصارهم على شهواتهم وشرور أنفسهم ليعلم الأبناء أن البطولة والفلاح هي لأهل العفاف .
3- تربية الشباب على استشعار فضل العفاف .
فنربيهم على استشعارِ أن الله يُغني العفيف وأن مآله الفلاح وأن الله يظلهُ في ظلهِ يوم لا ظل إلا ظله .
4- بيانُ قيمة الإنسان .
فالإنسانُ العاقل يسمو بنفسه عن الشهوات المحرمة ويترفع عن الحياةِ البهيمية ، والعفيف عزيز بتقواه وعلوِ همته ، ينشغل بتحصيل الحسنات ، وقضاء مصالحه الدُنيوية ،ويتجنب التفاهات .
5- الحرص على المجتمع العفيف .
فإن مما يعين الشباب على العفاف وجودُ البيئةِ النظيفة ، بعيداً عن الفضائيات والمسكرات ، والمجلات الخليعة والأغاني الماجنة .ولذا يتحملُ القائمون على المجتمعات المسلمة منع إشاعة الفواحش في المجتمع .