" العفاف " ، وما
أدراك ما العفاف ؟ عفافُ العينِ عن النظر الحرام ، وعفافُ
الأُذنِ عن السماع الحرام ، وعفافُ الجوارح عن البطش والطُغيان ، وعفافُ الفرج عن
الوقوع في الفواحش والآثام .
1) المراد بالعفاف :
قال أهل العلم : " العفةُ هي كفُ النفسِ عن المحارم وعما لا يجملُ
بالإنسانِ فعله ومنها العِفةُ عن اقترافِ الشهوة المُحرمة، ويأتي في مقابل العِفةُ
: الدناءةُ والخِسةُ في كثير من صورها " .
2) حاجتنا إلى
العفاف :
في زمن العولمة الغربية ، إزدادت دواعي الفتن والشهوات ، ولا
يزالُ الإعلام العالمي يطوفُ بسمومهِ على المجتمعاتِ المُسلمة فيُغرقُ رجالٌ من رجالنا
و نساءٌ من نسائنا ، يغرقون في أمواج متلاطمة من الفسق والمجون والخطوات المُظلمة،
ولا تكاد تجلسُ في مجلس إلا وتأتيك الأخبار عن شباب منهزمين أمام شهواتهم، هذا
بالمخدرات، وذاك بالمسكرات وآخرين في أوحال الرذائل والفواحش والمُلهيات، وللنساء
والفتيات نصيب بل لم يسلم منها حتى الأطفال الصغار .
* وفي
هذا الزمن ومع تكاثر هذه البلايا قد يشعرُ المرءُ بالمرارة ، بل قد يُصابُ
بالإحباط ومن الناس من يُبتلى بالانهزامية أو يقطعُ الأمل في وجود الصلاح بسبب
ذلك، ولذا كان من المهم أن يُعاد للشباب آمالهم وأن يُزال الحُزن عن قلوبهم , وهذه
الرسالة " الشباب والعفاف " إنما هي صور حية لنماذج رائعة من البشر ،
تجاوزوا الفتن بقوةِ إيمانهم فانتصروا على شهواتهم وشرور أنفسهم، والمتأملُ
لأحوالهم يشعرُ بالفخر ويستشعرُ القدوة الحسنة ، وبعدها يجدَّ قوةً وصبراً يترفع
بهما على نزغات الشيطان ويحذرُ من خطواته والتخبط في سُبله .
3) محاسن العفاف : إن ديننا الحنيف ، يأخذ بأيدي
أتباعه كي ينتصروا على جيوش الشهوة العارمة وينفوا عنهم طول الصراع الواصب بين
الغزيرة الجامحة والرغبة السامية في الارتفاع عن الدنايا وفي ظلال الدين الوارف
وأرضهِ الطيبة تنبعث وتنمو حسناتُ الاستعفاف عن المحرمات ومنها :
1 – في العفاف تحقيق الإيمان :
فإن إعراض المرء عن الحرام وهو
يهواه ويشتهيه لهو دليلٌ على قوةِ إيمانيه وتقديمه لما يحبُ الله على محبوباته
يؤكد ذلك ويُصدقه , وفي ذلك يقول ابن عمر رضي الله عنهما : " صِدقُ الإيمان
أن يخلوَ الرجلُ بالمرأةِ الحسناء فيدعُها لايدَّعها إلا لله عز وجل " .
وفي ذلك ما قالهُ اللهُ عن يُوسف عليه السلام :( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ" (يوسف: من الآية24) . وكذا قولهُ تعالى عن المتقين : (إِنَّ الَّذِينَ
اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ
مُبْصِرُونَ" (لأعراف:201) .
2 – العفاف سبيل إلى الجنةِ الخالدة :
قال
الله تعالى : ( وَأَمَّا
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى )40" فَإِنَّ الْجَنَّةَ
هِيَ الْمَأْوَى)41" " (النازعـات:41) . قال صلى الله عليه وسلم : " من ضمِن لي ما بين لحييه وفخذيه ضمنت له الجنة " وفي رواية
في المسند : " اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة –ثم ذكر منها– احفظوا فروجَكُمُ"
والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع (1029) .
3 – العفاف سِمةُ المؤمنين :
قال
الله تعالى:+ قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ+1"الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ+2"وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ
اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ )3" وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)4"وَالَّذِينَ هُمْ
لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)5" ... الآيات"
(المؤمنون1-5) .
وقال
تعالى:(وَالَّذِينَ
لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ
أَثَاماً" (الفرقان:68) .
4 – العفاف سبيلُ حفظ الله :
فإن
العبد يوم أن يحفظ جوارحه عن الولوغ في وحلِ الحرام يحفظهُ الله ، قال × : " احفظ الله يحفظكَ ، احفظ تجِدْهُ تُجاهَكَ " .
قال ابن رجب : " ومن الحفظ حِفظُ اللهِ للعبد في دينه وإيمانه فيحفظهُ في
حياته من الشُبهات المضله ومن الشهوات المُحرمة ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه
على الإيمان " . وقال رحمه الله : " ومن حفظ الله في صِباهِ وقوته ،
حفظه اللهُ في حالِ كبره وضعفِ قوته ، ومتعهُ بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله ،
وكان بعضُ العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتعٌ بقوته وعقله فوثب يوماً وثبة
شديدة فعوتب في ذلك ، فقال : هذه جوارحٌ حفِظناها عن المعاصي في الصغر ، فحفظها
الله علينا في الكبر" .
5 – وفي العفاف زكاء النفس وطهارتها :
فلقد
قال الله تعالى:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)30"وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)31"" ( النور 30-31) .
فعفاف البصر والفرج عن الحرام أزكى لقلب العبد وأطهر ، هذا ما قرره الله
سبحانه وتعالى وهو الخبير بعباده وما فيه صلاحُهُم وسعادُتُهم .
6 – و العفاف سبيلٌ إلى فضل الله العظيم :
قال الله تعالى:(وَلْيَسْتَعْفِفِ
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ "
( النور 33) .
وقال الله تعالى:(وَمَنْ يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)2" وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ...
الآية )3" "(الطلاق2-3).
وقال صلى الله عليه وسلم : " ثلاثةٌ حقٌ
على اللهِ عونُهم الناكحُ يريُد العفاف ( ثم ذكر البقية ) " والحديث بتمامه رواه أحمد
في مسنده .
وقال صلى الله عليه وسلم : " من تَركَ
شيئاً لله عوضَهُ اللهُ خيراً منه " .
وقال صلى الله عليه وسلم:"سبعة يُظلهم اللهُ يوم لا ظل إلا ظله (ذكر منهم) "ورجلٌ دعتهُ
امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخافُ الله رب العالمين " متفق عليه . ففي
يوم تدنو فيه الشمسُ قدرَّ ميلٍ من رؤوس الخلائق وفي يوم مقدارهُ خمسون ألف سنة
ينجو هذا العفيف من وهج حرها .
7 – وفي العفاف الطمأنينةُ القلبيةُ والنفسية :
فالشاب
حينما يعيشُ في حياة طاهرة ، بعيدةٍ عن أرجاس الشياطين وأنجاسِ الفاجرين، يشعُر
بالسعادةِ الغامرة ، والسرور وانشراح الصدر . يقول ابن عباس رضي الله عنه : "
إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب وسِعةً في الرزق ، وقوة في البدن ،
ومحبة في قلوب الخلق ، وإن للسيئةٍ اسوداداً في الوجه وظُلمةً في القلب ووهناً في
البدن ونقصاً في الرزق ، وبُغضةً في قلوب الخلق " .
9 – وفي العفاف النجاةُ من أضرار الفواحش :
فهناك
العقوبات الربانية لمرتكب الفواحش من سخط الله عليه وإبعادهِ من رحمته وعقابه في
الآخرة ، بعد فضحه على رؤوس الأشهاد ، وتأمل ما رأهُ النبي صلى الله عليه وسلم : "لقد رأى في
رؤياه تنوراً فيه نساءً عاريات ورجالٌ عُراة ، وهم في صراخٍ وعويل والنارُ
تحرقُهُم حرقاً وكلما نفخت فيهم ، علت صرخاتهم وصياحُهم وهكذا أبدُ الأبدين ، فلما
سأل صلى الله عليه وسلم الملكين عنهم قالا: فإنهم الزناة والزواني" والحديث أصله في البخاري .
10 – والعفاف سبيل الزواج الناجح :
"
فإن الشاب الذي أرخى العنان لشهواته ، وتعّود على تدنيس الأعراض ، وإشباع رغباته
بألوان مُتعددةٍ من المفاسد ، لن يطيق صبراً عنها ، ولن يقتنع بزوجة حلال ، وأن
تزوج فلن يرعوي إلا أن يتوب ، ويبدأ زواجهُ بصفحةٍ جديدةٍ من حياته . وهذا يصدقُ
على الفتاةِ التي خرجت من حصنها العفيف وخالطت الرجال وعاشرتهم ، فمن الصعب بعد
ذلك أن تخضع لزوجٍ تهبُ لهُ كُلَّ حياتها إلا بعد توبةٍ نصوحاً . أما أهل العفاف
من الرجال والنساء ، فإن المودةَ والرحمة والسكن تتبادلُ بين الزوجين ويرى كُلُّ
منهما في الآخر الحُبَّ الصادق ، والمنحة الأبدية ، وعنوان الوفاء ، فيتعلق كُلُّ
منهما بالآخر حتى النهاية .. " ويكون زواجهما مِثال النجاح والسعادة .
11 – وبالعفاف يصطبغ بالأخلاق الفاضلة :
فإن
الاستمساك بطريق الفضيلة ، سبيلٌ لحُسن الخُلق وإتباع السلوك المرضي فالعفاف يأخذ
بيد المرء إلى الخُلق السامي والسلوك النبيل ، وهو حِصنٌ يقي الشاب شرور الأنفس ،
وبذيَّ الخلال وقبيح الفِعال .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق